الشيخ السبحاني
311
رسائل ومقالات
في فِطَر العباد استواء العدل والظلم ، والصدق والكذب ، والفجور والعفة ، والإحسان والإساءة ، والصبر والعفو ، والاحتمال والطيش ، والانتقام والحدة ، والكرم والسماحة ، والبذل والبخل ، والشح والإمساك ؟ بل الفطرة على الفرقان بين ذلك ، كالفطرة على قبول الأغذية النافعة ، وترك ما لا ينفع ولا يغذي ، ولا فرق في الفطرة بينهما أصلًا . ولكن « 1 » في مقابل ذلك نرى من يتحكّم في حقّه سبحانه ويقول : إنّ العدل والظلم والحسن والقبح أمامه سبحانه سيّان ، فلو أمر بإدخال البريء النار فهو حسن ، كما أنّه لو أمر بإدخال المجرم الجنة فهو حسن ! ! وربما لا يصدّقني القارئ فيما حكيت وإليك كلمات الأشاعرة . فإن قال قائل : هل للَّه تعالى أن يؤلم الأطفال في الآخرة ؟ قيل له : للَّه تعالى ذلك ، وهو عادل إن فعله . وكذلك كلّ ما يفعله على جرم متناه بعقاب لا يتناهى ، وتسخير الحيوان بعضهم لبعض ، والإنعام على بعضهم دون بعض ، وخلقه إيّاهم مع علمه بأنّهم يكفرون ، كلّ ذلك عدل منه ولا يقبح من اللَّه لو ابتدأهم بالعذاب الأليم وإدامته ، ولا يقبح منه أن يعذب المؤمنين ويدخل الكافرين الجنان ، وإنّما نقول إنّه لا يفعل ذلك ؛ لأنّه أخبرنا أنّه يعاقب الكافرين وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره . والدليل على أنّ كلّ ما فعله ، فله فعله : أنّه المالك القاهر الذي ليس بمملوك ولا فوقه مبيح ولا آمر ولا زاجر ولا حاظر ولا من رُسِم له الرسوم وحُدَّ له الحدود ؛ فإذا كان هذا هكذا لم يقبح منه شيء ؛ إذ كان الشيء إنّما يقبح منّا لأنّا تجاوزنا ما حد ورسم لنا وأتينا ما لم نملك إتيانه ؛ فلما لم يكن الباري مملَّكاً ولا تحت
--> ( 1 ) . مفتاح السعادة : 2 / 39 .